رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

البيان الختامي الصادر عن مؤتمر مكة المكرمة الرابع عشر "حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية" الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من 5- 7 /12/1434هـ 10-12 / 10/ 2013م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله؛ نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:

فبعون الله وتوفيقه اختتم مؤتمر مكة المكرمة الرابع عشر الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي بعنوان «حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية» برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله، وذلك في مكة المكرمة في الفترة من 5-7/12/1434هـ التي يوافقها 10-12/ 10/ 2013م.

وقد افتتح المؤتمر نيابة عن خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، مؤكداً رعاية الإسلام لحقوق الإنسان، وأن ذلك يتحقق بتطبيق الشريعة الإسلامية، كما تسير عليه المملكة، وشاكراً الرابطة على تنظيمها لهذا المؤتمر.

وأبرز سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس المجلس الأعلى للرابطة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ عناية الإسلام بالإنسان وكفالة حقوقه، وحمايتها، وحث المسلمين؛ حكومات وشعوباً على التقيد بأحكام الإسلام.

ورحب معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بضيوف الرابطة، مؤكداً اهتمام الرابطة بدراسة القضايا التي تهم الأمة المسلمة عبر المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية بالتعاون مع العلماء والمختصين حول العالم.

وألقى فضيلة الدكتور عبد الملك بن عبد الرحمن السعدي رئيس هيئة الإفتاء وأهل السنة والجماعة بالعراق كلمة المشاركين في المؤتمر، أثنى فيها على جهود الرابطة في التعريف بالإسلام ومبادئه في العدل وصيانة الحقوق؛ معبراً عن تقدير المشاركين للمملكة العربية السعودية وجهودها في إرساء قيم الإسلام.

وأكد المشاركون في جلسات المؤتمر على أن المسلمين أولى الناس بتكريم الإنسان ورعاية حقوقه، وأحرصهم على رفع الظلم ، لما قررته الشريعة الإسلامية من حقوق الناس وواجباتهم وما أرسته من قيم العدل والإنصاف.

وتناول المشاركون في المؤتمر واقع حقوق الإنسان في العالم ، وفي العالم العربي بخاصة، واستنكروا المجازر المروعة التي ترتكب في سورية بمختلف أسلحة الدمار، ومنها السلاح الكيمياوي ، وهدم البيوت على ساكنيها، وتهجير الملايين من المدنيين الآمنين، وطالبوا حكومات الدول الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي بمبادرة عاجلة لوقف المجازر الدموية في سورية، ونجدة شعبها والتضامن معه، وتأمين الغذاء والدواء له.

وطالبوا مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والمحاكم الدولية بتطبيق القوانين على الدول والأحزاب الضالعة في الانتهاكات التي يرتكبها النظام السوري الغاشم ، واستصدار قرار بإخراج قواتها من الأراضي السورية وإيقاف دعمها لآلة القتل الهمجية للنظام السوري.

وأدان المؤتمر ما يجري في العراق من عمليات إرهابية وانتهاكات لحقوق بعض مكوناته؛ بالتطاول على رموزه والاعتداء على مساجده والتهجير القسري للسكان، وطالبوا باحترام استقلال العراق وعدم التدخل في شؤونه.

واستنكر المؤتمر الانتهاكات المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني ، وحذر من المخططات التي تستهدف تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، وطالب الأمم المتحدة بمنع هذا العدوان الذي يستهدف قبلة المسلمين الأولى.

واستنكر حملات الاضطهاد المروعة التي تمارسها سلطات ميانمار ضد المسلمين, وطالب المنظمات الدولية بالتدخل لحماية مسلمي ميانمار, والكف عن اضطهادهم, وإعادة حقوقهم, ومنها حق الجنسية والمواطنة الكاملة التي تضمن تكافؤ الفرص بين مكونات المجتمع في ميانمار.

ودعا دول العالم إلى احترام الأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم ، وتمكينها من حقوقها تأسياً بمعاملة الإسلام للأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم.

وأكد المشاركون على ما يلي:

      1.  حقوق الإنسان هبة إلهية لبني آدم جميعاً، وهم سواسية ، لا فضل لأحد على أحد، ولا يجوز التفريط فيها أو الاعتداء عليها، ، وقد شرعَ الله فيها للبشرية ما يلائم فطرتها، ويصون إنسانيتها، ويحقق مصالحها في العاجل والآجل.

2.   أسبقية الشريعة الإسلامية على المواثيق الدولية في إقرار حقوق الإنسان بما تضمنه الكتاب والسنة وصحيفة المدينة المنورة وخطبة حجة الوداع وغيرها من الوثائق النبوية وخطب الخلفاء الراشدين ووصاياهم للأمراء وولاة البلدان.

3.   تميز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بالشمولية والعمق في إقرارها حقوق الإنسان، وانفرادها بتكريسها للكثير من القيم التي تفتقر إليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، كحق الوالدين وذي القربى والجيران والمرضى، وحرمة الغيبة وسوء الظن وغيرها.

4.   حقوق الإنسان في الإسلام تتميز عن النظم الوضعية بكونها أحكاماً شرعية، وليست قيماً نفعية عاجلة لا غير، وأنها تقدم ضمانات فريدة وحوافز غير مسبوقة ترسخ حقوق الإنسان بما أناطته بها من ثواب أخروي وما يقتضيه من رقابة ذاتية في نفس المؤمن الذي يربط التزامه بهذه القيم بمحبة الله والسعي في مرضاته.

5.   ما يكتنزه الإسلام من منظومة حقوقية رائدة لا يزال كثير منه غير معروف عند الحقوقيين والإعلاميين في العالم، فالشريعة الإسلامية تضمنت تحقيق المقاصد الإنسانية وحراسة الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

6.   المواثيق الدولية لحقوق الإنسان جهد يعبر عن فكر بشري، يعتريها – على الرغم مما فيها من إيجابيات - النقصُ والضعف الإنساني، ولا يجوز اعتبارها قيماً حاكمة على شرائع الله، بل ينبغي مراجعتها وتطويرها من خلال التوفيق بينها وبين رسالات الله وخاتمتها رسالة الإسلام.

7.   حق الأشخاص والهيئات في التعبير عن الرأي مصان, على أن يقيد مفهوم الحرية المطلقة بمراعاة ضوابطها الشرعية التي تمنع التعدي على الآخرين بالسب والتجريح ، وتحافظ على حقوقهم، وتمنع المساس بمكتسباتهم، أو تهديد حريتهم.

8.   رفض سياسة ازدواج المعايير التي تظهر في بعض المواقف العالمية في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان في العالم، والتنديد بمبدأ الانتقائية المشين، ورفض تسييس قضايا حقوق الإنسان، والتأكيد على محاسبة منتهكيها ، والتوقف عن تقسيم المكونات الإنسانية إلى خيِّر وشرير، والدعوة إلى إيجاد آليات عادلة تضمن تساوي سائر الشعوب أمام القوانين والأنظمة الحقوقية.

9.  التنديد بالانتهاكات المتلاحقة لحقوق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته ومقدساته، والدعوة إلى احترام القانون الدولي الإنساني بلا حيف ، ودعوة الهيئة العالمية للمحامين المسلمين التابعة لرابطة العالم الإسلامي إلى رصد مظالم الشعب الفلسطيني والانتهاكات الصهيونية التي طالت أرضه ومقدساته وكافة حقوقه، والمطالبة بتطبيق المواثيق الدولية لمنع الانتهاكات وإطلاق الأسرى وضمان كافة حقوق الشعب الفلسطيني.

وأكد المؤتمر على أن وجود الممارسات الخاطئة في بعض المجتمعات الإسلامية أضعفت قدرة الأمة وأساءت إلى سمعتها, وأوجدت بؤراً عديدة للصراع في صفوف المسلمين، وشوَّهت المفاهيم والمبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامته.

التوصيات:

وفي ختام المؤتمر أوصى المشاركون فيه بما يلي:

·   حث المسلمين على التمسك بدينهم، والاعتزاز بالشريعة الإسلامية التي سبقت إلى إقرار حقوق الإنسان ، ومطالبة المنظمات الدولية بالاستفادة من الشريعة الإسلامية في صيانتها لحقوق الإنسان، وبخاصة النساء والأطفال والأيتام والعمال.

·    دعوة الدول الإسلامية إلى إقرار الأنظمة التي تتصدى لانتهاكات حقوق الإنسان، والمصادقة على الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بها، مع ضرورة التحفظ على ما ينتهك خصوصية الأمة المسلمة أو يتعارض مع شريعتها وقيمها وأعرافها.

·   مطالبة حكومات الدول الإسلامية بصيانة حقوق الإنسان ، وتطبيق مضامينها، بتجريم الفساد ومحاربته، وإزالة أشكال القهر والظلم، والسعي لتأسيس تنمية مستدامة يسعد بها الجميع.

·   دعوة الدول الإسلامية الموقعة على اتفاقية (سيداو) حول المرأة والأسرة إلى المطالبة بتعديل المواد المخالفة للشريعة الإسلامية.

·   مطالبة العلماء والمنظمات الإسلامية بمزيد من الاهتمام في علاج ظاهرتي الغلو والتطرف اللتين تسيئان إلى نقاء حقوق الإنسان في الإسلام وتشوهها لدى غير المسلمين.

·    دعوة الدول الإسلامية إلى تنفيذ قرار مؤتمر القمة الإسلامية في الكويت (1978م) القاضي بإنشاء محكمة عدل إسلامية تختص بالنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في العالم الإسلامي، وتسعى إلى رعايتها بما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية.

·    دعوة المؤسسات الحقوقية في العالم الإسلامي إلى عرض الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان في المؤتمرات والمنتديات والمحافل الدولية، والتصدي للإشاعات المغرضة المعادية للإسلام وما تثيره من مغالطات حول حقوق الإنسان في الإسلام.

·    تعريف أمم العالم وشعوبه بحقوق الإنسان في الإسلام، وإبراز مبادئه في تكريم الإنسان وحمايته وضمان حريته وصون حقوقه ومساواته بين البشر، ودعوة رابطة العالم الإسلامي لتأسيس موقع إلكتروني يعرِّف بحقوق الإنسان في الإسلام وواجباته؛ بالتعاون مع المنظمات والمراكز الإسلامية الحقوقية حول العالم.

·    تطوير أداء الأجهزة المعنية بحقوق الإنسان في الدول الإسلامية، وتدريب كوادرها بما يسهم في تحقيق المنوط بهم في مراقبة انتهاكات الحقوق وتوثيقها ومعالجتها وتقديمها إلى الجهات المختصة.

·    حث المؤسسات المؤثرة في المجتمع؛ وبخاصة الأسر والمساجد والجامعات والمدارس والإعلام إلى الإسهام في نشر ثقافة احترام حقوق الإنسان في الإسلام، وترسيخها في المجتمع.

·   مطالبة المؤسسات الإعلامية العالمية إلى تحري المصداقية والموضوعية في حديثها عن حقوق الإنسان في الإسلام، والتوقف عن تشويه صورة الإسلام والنيل من مبادئه وقيمه.

·   مطالبة دول العالم والمؤسسات الحقوقية باحترام التنوع الإنساني، ومراجعة الاتفاقيات والمواثيق الدولية وتعديلها بما يحترم خصوصيات الأمم وثقافاتها وفطرتها الإنسانية، وأن يكون التعديل ضامناً لكرامة الإنسان وحقوقه بصورة فعلية لا قولية فحسب؛ بحيث تؤسس لبناء علاقات إنسانية متوازنة، وتضع الأطر لمشاركة الجميع في إعمار الكون والتنمية الشاملة للأرض.

·    مطالبة منظمات حقوق الإنسان في العالم بضرورة ربط الحقوق الإنسانية بواجبات الإنسان؛ بما يحقق التوازن والعدالة في المجتمع الإنساني.

·    دعوة الجامعات والمؤسسات التربوية والبحثية في العالم الإسلامي إلى توسيع الدراسات المتصلة بحقوق الإنسان في الإسلام، وتدريس مادة ترسخ القيم الحقوقية في التعليم العام والأكاديميات الشُرطية والعسكرية.

·    دعوة رابطة العالم الإسلامي إلى إصدار كتاب جامع لحقوق الإنسان في الإسلام؛ يتضمن ما صدر في إعلان القاهرة لحقوق الإنسان والميثاق العربي لحقوق الإنسان، والعناية بترجمته إلى اللغات الحية، والسعي لتحويله إلى ميثاق إسلامي شامل ، وتبلغ به الهيئات الحقوقية في العالم.

·    دعوة رابطة العالم الإسلامي إلى تأسيس هيئة إسلامية عالمية مستقلة تختص بحقوق الإنسان، تكون مظلة للهيئات الخاصة بهذا الشأن في العالم الإسلامي، وتنسق جهودها، وتتعاون معها بما يحقق استقلاليتها المالية والمعنوية.

·    مطالبة منظمات حقوق الإنسان بتكثيف برامجها ضد التمييز والعنصرية اللذين يشيعان الكراهية والبغضاء بين الشعوب الإنسانية، والتعريف بموقف الإسلام من التمييز والدعوات الطائفية والعنصرية والحزبية التي تفرق بين الناس في الحقوق, وإبراز ما قرره الإسلام في تساوي البشر ، وكونهم من نفس واحدة: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) (النساء: 1).

·    دعوة وسائل الإعلام إلى إنتاج مواد إعلامية تعرِّف بحقوق الإنسان المقررة في الشريعة الإسلامية، وتعلي من قيمتها، وتبين عقوبة منتهكيها، وتحث الجمهور على الإبلاغ عنها.

·    رصد التجاوزات والانتهاكات لحقوق الإنسان، والتعاون في ذلك مع الهيئات القضائية المحلية والإقليمية والدولية لسد الثغرات القانونية والمحافظة على المكتسبات وتطويرها.

ووجه المشاركون الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود ، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود ؛ على نصرة المملكة العربية السعودية للشعوب الإسلامية المستضعفة، وسعيها لرفع المظالم عنها، وعلى مساندتها لرابطة العالم الإسلامي في تحقيق أهدافها ورعاية مناشطها.

وشكروا صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل آل سعود أمير منطقة مكة المكرمة على اهتمامه بالرابطة وضيوفها، وشكروا سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس المجلس الأعلى للرابطة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ على دعمه المتواصل للرابطة، وشكروا رابطة العام الإسلامي ومعالي أمينها العام الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي على ما تبذله الرابطة من جهود في خدمة الإسلام ومتابعة شؤون المسلمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر