رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحبَ السموِّ الملكيِّ الأمير مشعل بن عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أمير منطقة مكة المكرمة،

سماحةَ الشيخ عبدِ العزيزِ بن عبدِ الله آل الشيخِ، المفتي العام للمملكة، ورئيس المجلس الأعلى للرابطة،

أيها الإخوة الكرام:

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأرحب بكم، سائلاً الله تعالى أن يوفق حجاج بيته الحرام، لأداء مناسكهم على الوجه الذي يحبه ويرضاه في راحة واطمئنان، ويتقبل منهم، وأن يثيب خادمَ الحرمين الشريفين وسموَ ولي عهده الأمين، وسمو ولي ولي العهد، وسمو أمير منطقة مكة، على الجهود العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.

وبعد:

فقد رأت الرابطة أن تجعل موضوع الثقافة الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة، عنواناً لمؤتمر مكة المكرمة في هذا العام، وأرجو أن يوفق المشاركون لتسليط الضوء على هذا الموضوع المهم بمختلف جوانبه، ويقدموا رؤية جلية في محاوره وعناصره الأساسية، تستفيد منها الأمة وتستنير بها في طريقها نحو إصلاح حالها، وإيجاد مكان لائق وملائم لثقافتها في ظل الانفتاح والتنافس اللذين يشهدهما عالمنا المعاصر.

والأمة الإسلامية تتميز عن غيرها من الأمم، بأنها أمة مؤتمنة على الرسالة العالمية الخاتمة، في العمل بها وتبليغها للعالم.

ومن ثَم فهي أمة تستمد قيمتها من صلتها بهذه الرسالة، وتستنير بها في مسيرتها، وتستلهم منها معالم الحضارة الإنسانية الراقية.

ولم تكن الأمة في عصر من العصور، أكثر تعرضاً للتحديات المهددة لخصوصيتها الثقافية وانتمائها الحضاري، منها في هذا العصر.

وهذا يوجب على المخلصين من أبنائها، أن يواجهوا هذه التحديات بالوسائل والآليات الكفيلة بصيانة ثقافة الأمة من أخطارها.

والأمر يتطلب في ذات الوقت، العمل على مسار آخر، وهو تغيير الصورة السلبية التي انطبعت في أذهان الآخرين عن المسلمين، نتيجة الأوضاع السيئة التي يعيشونها، وحملات التشويه المستغلة لها استغلالاً تعصبياً مغرضاً، فإن تصحيح صورتهم لدى الآخرين،  خطوة ضرورية لإسهامهم في معالجة القضايا الإنسانية المختلفة، والتأثير بثقافتهم في الأنظمة الدولية والإنسانية.

ومن أبرز التحديات الداخلية التي تواجهها الثقافة الإسلامية اليوم، الخلل الذي وقع في أذهان بعض المسلمين، في فهم بعض أحكام الإسلام، في أصوله أو فروعه، أو في أهدافه والمغزى من رسالته، أو في كيفية التعريف به، أو تطبيقه في واقع الحياة.

وهذا الخلل من أبرز أسباب الاضطراب الذي يعاني منه العالم العربي والإسلامي، فقد أدى إلى ظهور الطائفية البغيضة، والحزبية الضيقة المفرقة، والتطرف المنتج للتكفير والإرهاب.

فالطائفية التي تهدد وحدة المسلمين اليوم، وتستنزف طاقاتهم في تخريب ديارهم وتعريضها للتدخلات الأجنبية المغرضة، وتعمل لتحقيق أهدافها بوسائل شتى، فهمت الإسلام بصورة منحرفة نشأت من أخذ موقف سلبي مريب من سلف الأمة، الذين صدقوا الله ورسوله وأبلوا بلاء حسناً معه وبعده، وانتشر الإسلام في الآفاق بجهودهم، وتلقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأمانة وإيمان، ثم أدوه إلى الذين جاؤوا من بعدهم بأمانة، وكانوا في ذلك قدوة لغيرهم في هذه الأمانة التي بها وصل إلينا محفوظاً من كل سوء.

والحزبية التي يدعي أصحابها العمل على التمكين للإسلام وتحكيمه، جرت على المسلمين شراً وبيلاً، وأوقعتهم في فتنة ساحقة ماحقة. وتسببت في تهديد الاستقرار السياسي، والوحدة الاجتماعية، بنشر فكر ضيق العطن، يوهم أن لأصحابه وحدهم مزية الغيرة على الإسلام وحمايته في المجتمع، وأن كل من لا يتبنى منهجهم يعتبر جاهلاً بالإسلام مقصراً في حقه، وكل من ينتقده أو يعارضه في التوجهات والمواقف، خارجاً عن الإسلام مناوئاً له متحالفاً مع أعدائه.

والإرهاب أدهى وأمر، إذ لا يقف أصحابه عند حد الرأي المتطرف الذي يتبنونه، ولا يرون في المجادلة عنه بالتي هي أحسن أي جدوى، بل لا يرون شافياً لما في صدورهم من الغيظ المتكون عندهم من تضليل الآخرين وتكفيرهم، إلا في حمل السلاح على الناس واستهدافهم في أنفسهم وأموالهم، واستقطاب ذوي الثقافة البسيطة والأفهام الضعيفة الذين تنطلي عليهم الخدع بسهولة، وتجنيدهم في عصابات تندفع إلى أهدافها الإجرامية، متوهمة أنها تسعى لنيل ما جاء في فضائل الجهاد، وتقتدي بسير رجال الإسلام الأوائل، غافلين عن أهم شرط من شروط العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى، وهو أن يكون صواباً، وتمييزُ صواب العمل من خطئه، إنما يتلقى من أهل العلم الموثوقين لا من الأدعياء المضلين.

وفي أخبار الخوارج عبرة بليغة، لكل مستهين بتحقيق شرط الصواب في العمل الذي يبتغى به وجه الله، إذ لا يخفى ما دونه المؤرخون في أخبارهم، من مظاهر عباداتهم، غير أن ذلك لم يكن ليشفع لهم فيما وقعوا فيه من وقيعة استحلال دماء المسلمين بتوهمات وفهم سقيم معرض عما كان يجب عليهم من رد ما لم يعلموه إلى عالمه.

ولخطورة هذا المسلك الشنيع، أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث مستفيضة، عن أوصافهم، محذراً من الاغترار بظاهرهم، مرغباً في التصدي لهم وتخليص المسلمين من شرهم.

هذه الآفات الثلاث التي أصيبت بها الأمة، هي أخطر ما يواجه الثقافة الإسلامية اليوم، ومن ثم ينبغي أن تتضافر الجهود، من العلماء والمثقفين والإعلاميين والمسؤولين عن التربية وكل من له تأثير في التوجيه الثقافي والاجتماعي، في التعاون مع المسؤولين في مكافحة هذه الآفات، من خلال توعية الناس بالانحراف الذي تنطوي عليه مناهج أصحابها وأهدافها، والأخطار التي تنجم عن وجودها وانتشارها وتمكنها، والإرشاد إلى سبل مواجهتها، ومن أهمهما تصحيح المفاهيم المغلوطة التي أدت إلى نشأتها.

وحيث يعتبر التطرف والإرهاب أخطر هذه الآفات، بحسب ما يدل عليه الواقع من اتساع نطاقه وكثرة أضراره، فإنه يحتاج في مكافحته إلى مضاعفة الجهود وتنسيقها بين الحكومات والمنظمات الحكومية والشعبية، ومؤسسات الفتوى والإعلام، لتوفير تحصين قوي للناشئة والشباب، من الأفكار المتطرفة التي أصبحت تروج بسهولة عبر وسائل الاتصال المتنوعة المنتشرة في كل مكان.

وإن الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في مكافحة التطرف والإرهاب، تعد تجربة فذة رائدة، تحتوي على رصيد كبير من الخبرة والنجاح، وهي جديرة بأن يشاد بها وتستثمر في الدراسات والبحوث التي تعتني بهذا الموضوع المهم.

ولا شك أن وراء هذه الجهود المضفرة، قيادة حكيمة على رأسها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، الذي يغتنم كل مناسبة لإطلاق توجيهات قوية وبعيدة الأهداف في معالجة قضايا الإرهاب وما يتعلق به، ويحث الشخصيات ذات الشأن في الأمة، للاضطلاع بمسؤولية تصحيح المفاهيم وتوعية الناس ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال، والاعتناء بشباب الأمة، والتضامن بين دولها وشعوبها ومنظماتها، والإرشاد إلى أن التعامل مع الآخرين ممن يخالفنا في الدين والحضارة، إنما يكون بفتح سبل الحوار ودعم جهوده والتوعية بحاجة الإنسانية إليه لإزالة ما بينها من التصورات الخاطئة، وتهيئة الأجواء للتعاون في النطاق المشترك بينها.

إن رابطة العالم الإسلامي، ومؤسساتها والجهات المتعاونة معها، لتقدم الشكر الجزيل لخادمِ الحرمين الشريفين، الملكِ عبدِ الله بنِ عبد العزيز آلِ سعود، سدده الله وأيده، ووليِّ عهده الأمين صاحبِ السمو الملكي الأميرِ سلمانِ بنِ عبد العزيز آلِ سعود، ولولي ولي العهد صاحبِ السمو الملكي الأميرِ مقرن بن عبد العزيز آلِ سعود، حفظهما الله وأعانهما، على ما تلقاه الرابطة من التشجيع والرعاية لمختلف مناشطها ومناسباتها.

والشكر لصاحب السمو الملكي الأميرِ مشعل بن عبد الله آل سعود، أميرِ منطقة مكة المكرمة، على جهوده، ودعمه للرابطة وأعمالها، وتفضله بافتتاح هذا المؤتمر نيابة عن خادم الحرمين الشريفين.

ولسماحة الشيخ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الله آلِ الشيخ المفتي العام للمملكة، ورئيسِ المجلس الأعلى للرابطة الشكرُ الجزيلُ على جهوده وحرصه على تحقيق الرابطة أهدافها.

والشكر لأصحاب المعالي والفضيلة المشاركين في هذا المؤتمر، على مشاركتهم وتعاونهم مع الرابطة.

وللإخوة الزملاء والمنظمين له، ورجالِ الإعلام ومؤسساته الشكرُ والتقدير على التعاون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر