رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. (رَبِ اشْرَح لِي صَدْرِي وَيَسّر لِي أَمْرِي وَاحْلُل عُقْدَة مِن لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). أيها السادة الحضور أحييكم بتحية الإسلام: فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛ أما بعد:

فاسمحوا لي أن أتحدث باسمكم وأسأل الله التوفيق في هذا المؤتمر العظيم، مؤتمر مكة المكرمة الخامس عشر الذي اختار موضوع: (الثقافة الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة)

في أم القرى في مكة المكرمة وفي موسم من أعز المواسم الإسلامية موسم الحج الأعظم.

فأبدأ بإعطاء كل ذي حق حقه - ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله-

أولاً باسمكم جميعا نتقدم بتحية خالصة وتقديرا واحتراما كبيرين من القلب إلى القلب إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله-  على رعايته الكريمة لهذا المؤتمر ثم لصاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد الله بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة مكة المكرمة،  وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة العربية السعودية رئيس المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي، ثم للسيد الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي على دعوته الكريمة لنا للمشاركة في هذا المؤتمر وأن نكون أيضا ضمن حجاج هذا العام 1435ه .

ثم تحية خالصة إلى طاقم الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي كل باسمه وصفته ورتبته على قمة الاستقبال وكرم الضيافة وتحية وشكر وتقدير وعرفان لأهل هذا البلد الطيب ملكا وحكومة وشعبا، ولأهل هذه الديار الذين يبهروننا دائما بمعاملاتهم الطيبة الصادقة كلما حللنا بها منذ زمن.

أيها السادة ؛

فإن موضوع هذا المؤتمر الخامس عشر لهذا العام جاء في وقته بل هو متأخر قليلا، نظرا للفتنة الكبرى التي عاشها ويعيشها العالم العربي والإسلامي منذ أزيد من خمسة وعشرين سنة، بدأت بالجزائر أرض الشهداء سنة 1988م ومازالت مستمرة متنقلة من بلد إلى آخر،حيث تركت في نفوس الجميع آلاما وأحزانا عميقة وخرابا مدمرا لقدرات العالم العربي والإسلامي، وضعفا وهوانا وهشاشة في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وفي الثقافة الإسلامية والعادات والتقاليد والأعراف الموصوف بها والتعايش السلمي مع الآخر.

قد يتساءل الفرد كيف يحدث هذا في أرض الإسلام، هذا الإسلام الذي حرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ووحد القبائل العربية وغير العربية في أمة واحدة خلصها من القبلية والطائفية والجهوية والفروق الاجتماعية والآفات المنتشرة هنا وهناك المتمثلة في زرع الفتنة والفرقة والاختلاف والتنازع والحقد والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، وباسم ماذا؟ باسم الإسلام؟!

فالعالم العربي والإسلامي يعيش ظروفا صعبة ورهيبة طبعت صورته أمام العالم دما ودموعا وخرابا وتقتيلا، فسمعة الإسلام والمسلمين قد شوهت أيما تشويه، وتفككت عرى العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد بل الأسرة الواحدة حتى فقد الأخ الثقة في أخيه وأصبح الكل يخشى من الكل على نفسه وماله وعرضه.

هذا كله حدث ويحدث نتيجة بعدنا عن استيعاب التراث الفكري والديني والسياسي الأصيل الذي تأسست عليه الثقافة الإسلامية الأصيلة التي أرسى قواعدها محمد صلى الله عليه وسلم منذ أزيد من 14 قرنا في المدينة المنورة ومن خلال صحيفة المدينة بمضامينها الإنسانية الراقية.

أيها السادة:

إن الأزمة تلد الهمة ورب ضارة نافعة وهناك شعوب كثيرة عرفت طريقها إلى ثقافة السلم والتسامح وإصلاح ذات البين بينها، بعد حروب وخراب وتفرق وأزمات حادة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا....إلخ.

ثم عرفت طريقها إلى التقدم والرقى والتضامن والعدل والحرية بفضل أبنائها المتشبعين بقيم الإنسانية والتعايش السلمي وثقتهم في أنفسهم وحاضرهم ومستقبلهم.

 فهذا كله في الحقيقة متوفر والحمد لله في الثقافة الإسلامية:

-   فالثقافة الإسلامية ذات قيم ربانية المصدر لأنها مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، فهي ثابتة من حيث قيمها وخصائصها، وتتسم بالأخلاقية، وتطبع المجتمع بالاستقامة والآداب السامية.

-   فالثقافة الإسلامية ذات قاسم مشترك بين المجتمعات الإسلامية وان اختلفت ألوانها ولغاتها وأعرافها وتقاليدها وعاداتها،

-    فالثقافة الإسلامية ضمان للمحافظة على ذاتية الأمة ووحدتها وتماسكها.

-   فالثقافة الإسلامية ثابتة في قيمها وخصائصها وسماتها، لكنها في الوقت ذاته قابلة للتطور والتكيف مع المتغيرات، والانسجام مع التطورات الجديدة ومسايرة المستجدات.

-   فمن خصائص الثقافة الإسلامية أيضا أنها إنسانية، ذات بعد عالمي إنساني، فهي تدعو إلى التعاون والأخوة والمحبة والاحترام المتبادل.

-   فالثقافة الإسلامية لها قابلية التعايش مع الثقافات الإنسانية، وتدعو إلى الحوار، والبحث عن القواسم المشتركة بين الشعوب، فهي تحترم ثقافات المجتمعات وتقدر الإنتاج البشري الذي تعتبره إرثا إنسانيا عاما.

-   فالثقافة الإسلامية السليمة بعيدة كل البعد عن الدعوة إلى التطرف والكراهية والعدائية وقتل الآخر، فهي تدعو إلى التسامح ونبذ العنف والتطرف، وهي الكفيلة بتحقيق الأمن والسلم العالميين. فالتطرف الواقع في المجتمعات الإسلامية إما نتيجة الجهل، أو بسوء تفسير نصوص الوحي والخطأ في توظيفها، وإما بتضخيم ومبالغة من وسائل الإعلام المختلفة، أو بتحريك من أياد خفية وبائنة لإثارة الفتن البينية وإضعاف الأمة من داخلها.

-   فالثقافة الإسلامية كفيلة بالمحافظة على قوة الأمة وتماسكها ومواجهة مخططات التقسيم والاستلاب الحضاري والتصدي للغزو الثقافي.

إن إصلاح ذات البين بين المسلمين يتطلب:

-   تجفيف منابع التطرف الفكري والمذهبي والطائفي والديني باسم الإسلام وذلك بـ:

-   إصلاح منظومة التربية والتعليم والتكوين وتضمينها مبادئ الإسلام وقيمه السمحة، لأن التربية والتعليم والتكوين هي خدمة واستثمار في أعز ما تستثمر فيه أمة مواردها وقدراتها وثرواتها البشرية الخلاقة المبدعة في جميع ميادين العلم والمعرفة الأدبية منها والعلمية النظرية منها والتطبيقية.

والوقت يتساوى عند كافة الشعوب، وقد تتساوى بعض الشعوب في الإمكانيات المادية والمالية والبشرية، لكنها تختلف في مقدار استغلالها لوقتها واستفادتها من الإمكانات المتوفرة لديها بل نجد كثيرا منهم يهدرون كثيرا من الوقت والجهد والمال والثروات فيما لا يفيد عن علم أو عن جهل.

وهناك شعوب كثيرة عرفت طريقها إلى التقدم والرقي وانتصرت انتصارات كبيرة بفضل تعليم أبنائها واعتباره استثمارا مؤكدا لنجاح مع تنمية ثقتهم في أنفسهم وثقافتهم وأمتهم.

-   تفعيل دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية والنوادي الأدبية والعلمية في نشر الثقافة الإسلامية الأصيلة.

-    ربط الخطاب الديني الإسلامي بالواقع المعيشي والقيم الإنسانية المعاصرة.

-   العمل الجماعي على تصحيح صورة الإسلام والمسلمين عند الآخرين وصورة الآخرين عند المسلمين في إطار الضوابط الشرعية والقيم الإنسانية المعاصرة.

-   تفعيل جمعيات المجتمع المدني باستيعاب القيم الإسلامية والإنسانية المعاصرة واستغلال وسائط التواصل الاجتماعي المعاصرة في التعريف بالإسلام ومبادئه وقيمه وحضارته.

-    تفعيل مؤسسات الاجتهاد والمجامع الفقهية في إصدار الفتاوى، والرد على الفتاوى الضالة المضللة.

وأخيرا نسأل الله العفو والعافية والتوفيق لخير هذا الدين وهذه الأمة،

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

أ.د/ عبد الله بوخلخال

رئيس جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية

قسنطينة - الجزائر

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر