رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

كلمة معالي الأمين العام الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في افتتاح مؤتمر مكة المكرمة الثاني عشر للعام1432هـ تحت عنوان: الدعوة الإسلامية الحاضر والمستقبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيسعدني أن أرحب بكم في رحاب الرابطة، في مؤتمر مكة الثاني عشر، وفي هذه الأيام البهيجة العامرة بالفضل.

إن الدعوة إلى الدين الحق والدلالة على طريق الخير، رسالة جليلة اختط طريقها الأنبياء، وانطلقت مسيرتها منذ ظهر الانحراف عن الصراط السوي الذي ظل الناس مستقيمين عليه ألف سنة من بعد آدم عليه السلام: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)) [البقرة/213].

أي كانوا أمة موحِّدة لربها مستقيمة في دينها وأخلاقها، ثم دب فيهم الانحراف، بظهور الشرك والفساد، فبعث الله نوحاً والنبيين من بعده.

فرسل الله الكرام هم حمَلة لواء الدعوة الأُول، ورواد الإصلاح لما يطرأ على الحياة البشرية من فساد، وتصحيح مسيرتها إذا حادت عن جادة الرشاد: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)) [هود/88].

وقد ختم الله الرسالات الإلهية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله بها رحمة للعالمين أجمعين إلى يوم القيامة.

إن المتأمل في شأن الدعوة وأهميتها، ينتهي إلى أنها ضرورة لا تنقطع حاجة البشرية إليها، ومن ثَم فهي فريضة شرعية، ومسؤولية إسلامية لا تخص فئة من المسلمين دون أخرى، بل هي منوطة بكاهل الأمة جميعاً حكومات وشعوباً، باعتبارها السبيل الذي انتشر عن طريقه الإسلام في المشارق والمغارب.

إذ بالدعوة انتشر الإسلام في أيامه الأولى بين أهل مكة، فشرح الله له صدور طائفة منهم فآمنوا واتبعوا الرسول، وبها شع نوره بين أهل المدينة، فتبوؤوا الدار والإيمان وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه. ولما عم الإسلام أرجاء الجزيرة العربية، بعد فتح مكة، انطلق المسلمون بالرسالة الخاتمة دعاة في مشارق الأرض ومغاربها.

والدعوة وسيلة غايتها نشر الإسلام بين الأنام، والدفاع عن الحق واستبقائه في هذه الحياة.

إن العمل الدعوي باعتباره اتصالاً اجتماعياً وإنسانياً، يرتبط بواقع الناس المتجدد المتغير، لا بد أن يتفهم متغيرات الحياة، وما يجد من وسائل وأساليب متنوعة، مع فقه يضبطها.

والسيرة النبوية حافلة بدروس تُستلهم في هذا المجال، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مخالطاً للناس عارفاً بأصنافهم، مهتماً بما يجري في حياتهم مما له أثر سلبي أو إيجابي عليهم.

وقد حققت الجهود الدعوية في تجديد الدين في الأمة وإصلاح أحوالها على منهاج السلف، في مختلف العصور إلى الآن، على أيدي رجال مخلصين وعلماء ربانيين، إنجازات جليلة لا تخطئها عين فاحصة، وامتد أثرُها الطيب إلى غير المسلمين، حتى أصبح يدخل في دين الله في بعض البلدان، مئات الناس في كل شهر.

وهذه الإنجازات تواجه تحديات تهدد حمايتها واتصالها بالمزيد.

منها العولمة التي وإن فتحت آفاقاً واسعة للتواصل بين الناس وتبادل العلوم والمعارف، إلا أنها تؤثر على الخصوصيات الثقافية التي من أهمها الدين وما يتصل به من الأخلاق وأصول التربية.

ومن هذه التحديات النقص في مؤسسات التأهيل والتدريب الدعوي.

ومنها ضعف الموارد والوسائل التي تعتمد عليها الدعوة في توجيه خطابها وحماية مكاسبها.

ومنها الحملة الشرسة التي يُكاد بها الإسلام، والتي أثرت بسلبيات كثيرة على العمل الدعوي ورجاله ومؤسساته.

ومنها ظهور دعاة منحرفين يهدون بغير هدي النبوة ويستنون بغير سنتها، فيسيئون أكثر مما يحسنون، ويفسدون أكثر مما يصلحون.

ولا ينبغي أن تكون هذه التحديات مصدر إحباط أو ضعف في العزم والأمل، فإن الله لا يكلف العبد إلا ما يقدر عليه، بل يمكن تحويل هذه التحديات إلى دروس في التدرب على إيجاد الحلول والبدائل لمشكلات العمل الدعوي، والنأي به عن مواطن الشبهات باعتماد الشفافية ومراعاة الأنظمة السارية في كل بلد، وتطوير وسائله وبرامجه، ليتحول إلى إسهام في التنمية الاجتماعية الشاملة.

وتعتبر رابطة العالم الإسلامي التعريف بالإسلام والدفاع عنه، والعمل على المحافظة عليه في الأمة، من أولويات أهدافها، وقد أعطت هذا الاهتمام تطبيقاً عملياً تمثل في بث آلاف الدعاة في مختلف القارات، وتأسيس معهد لإعداد الأئمة والدعاة، وبناء المساجد، وتأسيس المراكز الإسلامية، وإنشاء المدارس والمعاهد والجامعات والهيئات، بالإضافة إلى الكتب والمطبوعات المتنوعة التي تصدرها أو توزعها. وتعمل الرابطة كذلك في هذا المجال بالتنسيق والتعاون مع هيئات أخرى، كالمجلس العالمي للدعوة والإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية.

ويأتي هذا المؤتمر في جملة اهتماماتها بقضايا الدعوة، وترشيدها، ومعالجة مشكلاتها، والبحث في سبل الاستمرار بها في المستقبل بأدوات مكافئة لمستجداته ومتطلباته وتحدياته.

وفي الختام ترفع رابطة العالم الإسلامي عزاءها لخادم الحرمين الشريفين وللأسرة الكريمة المالكة، في رُزْءِهم في فقيد المملكة والأمة وخادم الدعوة، سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، رحمه الله رحمة واسعة وتلقّاه بالرضا وجزيل المثوبة على ما قدم في خدمة الإسلام والمسلمين.

ونسأله تعالى أن يمتع خادم الحرمين الشريفين، بموفور الصحة والعافية، ويرزقه العون والتوفيق، مع الشكر والتقدير الخالصين له ولسمو النائب الثاني الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، على الدعم المتواصل لمناشط رابطة العالم الإسلامي، ورعاية مناسباتها المختلفة.

والشكر الجزيل لسمو الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، على تفضله بافتتاح هذا المؤتمر نيابة عن خادم الحرمين الشريفين.

ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمملكة، ورئيس المجلس التأسيسي للرابطة الشكر الجزيل على جهوده وحرصه على الرابطة وبرامجها.

وللإخوة المشاركين في المؤتمر والمنظمين له، ورجال الإعلام الشكر والتقدير على التعاون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر