رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

صاحبَ السموِ الملكي ، الأميرَ خالدَ الفيصل ، أميرَ منطقةِ مكةَ المكرمة ،

صاحب السماحة ، الشيخَ عبدَ العزيزِ بنَ عبدِ الله آلَ الشيخ ، المفتي العام للمملكة ورئيسَ المجلس التأسيسي للرابطة ،

أيها الإخوة الكرام ،

سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد .

فإنه لمن دواعي السرور والاغتباط ، أن تجتمع في مثل هذه الأيام المباركات من كل سنة ، ثلة من أولي العلم والبحث في الشأن الإسلامي العام ، لمدارسة قضية من القضايا ذات الصلة بواقع الأمة ومعالجة مشكلاتها .

وإتماماً للفائدة وتعميماً لها ، دأبت الرابطة أن تجمع أبحاث كلِ دورة ، في كتاب تطبعه وتوزعه ، فأصبح لديها بحمد الله ، رصيدٌ من الأبحاث في العديد من القضايا المهمة ، كالعلاقات الدولية بين الإسلام والحضارة المعاصرة ، والأمةِ الإسلامية في مواجهة التحديات ، والحوارِ الحضاري والثقافي ، والأمةِ الإسلامية والعولمة ، وصورةِ الإسلام في الإعلام الغربي .

وموضوعُ هذا العام هو " مشكلاتُ الشباب في عصر العولمة " .

ولعل قضايا الشبابِ ومشكلاتِهم ، تتصدر الأعباءَ التي تؤرق المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية على وجه خاص ، لتميزها بنسبة عالية من الشباب .

ذلك أن مسؤولية الشاب تتحول من نطاق الأسرة إلى نطاق الدولة والمجتمع ، فالشاب في هذه الفترة الحرجة من عمره ، يكون بحاجة إلى رعاية وترشيد ، حتى يستطيعَ أن يتعاملَ مع محيطه الاجتماعي والثقافي ويتأهلَ لحسن الاختيار والسيرِ في مستقبله التعليمي والمهني والأسري ، ويأخذَ موقعه المناسبَ بعد ذلك في مجتمعه .

ولا يخفى أن مرحلة الشباب من حياة الإنسان ، مشحونةٌ بالتفاعل النفسي والفكري ، حيث تزدحمُ آمالٌ وتطلعاتٌ ورغباتٌ وهاجةً فياضة ، في نطاق محدود من الإمكانات المتاحة لدى الشاب .

ومشكلاتُ الشباب كثيرة ومتنوعة ، منها ما يتصل بالحياة الاجتماعية كالبطالة ومشكلاتِ الزواج وتكوين الأسرة، ومنها ما يتصل بالتعليم، وتنمية القدرات والمهارات ، ومنها ما يتصل بالترفيه والتسلية ووسائِلهما وضوابطهما .

ومن أهم المشكلات التي يواجهها الشبابُ المسلم اليوم ، والتي تحتاج إلى جهود عديدة من الأفراد والمؤسسات ، للإسهام في التوعية بخطرها والعملِ على معالجتها ، تلك التي تتعلق بالمنظومة الثقافية والانتماء الحضاري .

فغيرُ خافٍ ما يتعرض له شبابُ اليوم من غزو ثقافي شامل ، يَدْلُفُ إليه من أبواب لم يعهدها أسلافه من قبل ، ويتعاطى معه بفنون من الأساليب ، عبرَ وسائلِ الاتصال المتعددةِ الوسائط ، الشديدةِ الجاذبية ، السريعة التأثير ، التي تصنع الأفكارَ والعواطف وتوجهها كيف تشاء ، وتصادفُ في حماس الشباب وغضاضتِه دواعيَ الإصغاء وسرعةَ الاستجابة ، لما تُلقِي إليهم من أفكار وقيم ومبادئَ متعارضةٍ مع تراثنا وثقافتنا .

والنتيجةُ التي بدأت تظهر بوادرُها المقلقة ، ضعفٌ في التمسك بالدين ، وصدودٌ عن اللغة العربية ، وزهدٌ في التراث والحضارة الإسلامية ، وتقليدٌ للنماذج الفكرية والأخلاقية المنحرفة ، والجنوحُ إلى السلوك الإجرامي ، واللهثُ وراءَ أسبابِ اللهو والمتعة ، والنفورُ من تحمل المسؤوليات والقيامِ بالواجبات .

إن الاستطراد في وصف مشكلات الشباب المسلم وتعدادِها ، غيرُ كافٍ ما لم يتصل بالبحث المنهجي والجاد في سبيل علاجها ، وتدابيرِ التخفيف من أثرها السلبي على الأمن الفكري للأمة .

فمسؤوليةُ توجيهِ الشباب وإعدادِهم ، وتحصينِهم من الأخطار المحدقة بهم ، تقع على عاتق جهات عديدة من الأفراد والمؤسسات ، وتبدأ من البيت والتربية الأسرية ، ومؤسساتِ التربية والتعليم . ثم تتواصل مع رسالة الخطيب في المسجد ، والعالمِ في أبحاثه وكتبه ومحاضراته ، وأستاذِ الجامعة في توجيهاته ، والهيئاتِ والجمعيات والمؤسسات المدنية ، المتجهةِ بأعمالها إلى العناية بالشباب ، في أعمالها وبرامجها وخططها .

ولا نشك في أن هناك جهوداً غيرَ قليلةٍ تبذلُ من هذه الجهات على اختلافها ، إلا أنها تحتاج إلى تعاون وتبادل في الخبرات ، واستثمارٍ لنتائج الأبحاث والدراسات المتخصصة في هذا الميدان ، وتطويرٍ مستمر في الوسائل والآليات ، حتى يكونَ عملُها مثمراً محققاً لأهدافه في معرفة حقيقةِ ما يعاني منه الشباب ، ومساعدتِهم على حل مشكلاتهم ، وتدريبِهِم على تحمل المسؤوليات ، وفهمِ شؤون الحياة وقضاياها على الوجه الصحيح .

ومن أهم ما يساعد على العناية بالشباب المسلم وتحصينِهِم من غوائل العولمة ، ما يمكن أن تقوم به وسائلُ الإعلامِ ومؤسساتُه ، في تقديم موادَّ وبرامجَ ومحتوياتٍ تتناسب مع تطلعات الشباب ، وفي ذات الوقت تكون نابعةً من تراثنا وثقافتنا ومنضبطةً بضوابط أصالتنا .

أيها الإخوة : إن الرابطة لتعتز كلَّ الاعتزاز باهتمام خادم الحرمين الشريفين ، الملك عبدِ الله بنِ عبد العزيز آلِ سعود ، بها ، ورعايتِه لمؤتمراتها ومجالسها ، ودعمه لبرامجها ، وتشكره باسم الشعوب والأقليات المسلمةِ التي تمثلها ، هو وسموَّ ولي عهده الأمين الأميرَ سلطانَ بنَ عبدِ العزيز وسموَّ النائي الثاني الأميرَ نايفَ بنَ عبدِ العزيز ، على ما يبذلونه لرفعة الإسلام ، وتقدم المسلمين ووحدتِهم وتعاونِهم مع مختلف الأمم والشعوب .

أسأل الله أن ينفع بجهودهم ، وأن يحفظ المملكة وقادتها مصدرَ عزةٍ وقوةٍ للإسلام والمسلمين ، وأن يجعلَ كيدَ أعدائِها وأعداءِ الإسلامِ في نحورهم .

أما أميرُنا المحبوب الأميرُ خالدُ الفيصل أميرُ منطقةِ مكة الذي لا يألو جهداً في دعم الرابطة وعونها على أداءِ رسالتِها ، وتفضلِه بافتتاح مناسباتِها فله تقديرُ الرابطة ومنسوبيها وهيئاتِها ، ودعاءُ الجميعِ له بأن يمتعه الله بالصحة والعافية ، ويعينَه على مزيد من الخدمة لضيوف الرحمن ومنطقة مكة المكرمة .

ولسماحة الشيخ عبدِ العزيز آلِ الشيخ ، المفتي العام للمملكة ، ورئيس المجلسِ التأسيسي للرابطة شكرُنا وتقديرُنا لجهودِه العظيمة ، وحرصِه على خدمةِ الإسلام والمسلمين ، وأن تؤديَ الرابطة رسالتَها على أكمل وجه .

ولجميع الباحثين والمشاركين والمنظمين لهذا المؤتمر شكرُ الرابطة .

وأسأل الله أن يكلل أعمالَهم بالنجاح .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .




 

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر