رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ويسرني أن أنقل إليكم تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.
وأرحبُ بالإخوة المشاركين في هذا المؤتمر، الذي جرت العادة بعقده بين يدي الحج في هذه الأيام التي عظمها الله إذ أقسم بها: ((والفجرِ وليالٍ عَشْرٍ)) وفي هذا البلد الأمين الذي يستقبل ملايين المسلمين، آمّين البيتَ الحرام من كل فج عميق.
نسأل المولى الكريم أن يرزقنا التوفيق والعون على خدمتهم، والسهر على أمنهم وراحتهم، حتى يؤدوا مناسكهم على أحسن وجه، ويرجعوا إلى أوطانهم سالمين غانمين.

أيها الإخوة:
إن الظروف التي نشأت منها الدعوة إلى تقرير "حقوق الإنسان" والعمل على احترامها، ظروف مريرة، فشبح الحرب يملأ الأرجاء، ورعبها يملأ النفوس، وهي تخشى أن تلتهمها نيران الطائرات والدبابات والمدافع والقنابل، وأصبح الإنسان كائناً عديم القيمة، أمام الآلة الحربية الفتاكة، التي تحصد الملايين وتسلمها للفناء، واكتظت المحتشدات والمعتقلات بالأسرى يسامون سوء العذاب، بوسائل جهنمية تقشعر لهولها الأبدان.
في أعقاب هذه الأجواء العصيبة المنذرة بأخطار الدمار، تعالت صيحات تدعو إلى الاعتراف لهذا الإنسان بحقوقه، وحمايتها من الانتهاك، تعالت وهي تخاطب ما بقي في تلك الأمم المتحاربة، من ضمير الرأفة والشفقة أو ما يسمى بالإنسانية، بعدما افتتنت تلك الشعوب بمنجزات الثورة الصناعية، فطغت المادية الجامحة على نفوسها، ولم يعد للدين أي تأثير في تهذيب سلوكها وإصلاحها بالقيم والأخلاق التي جاء بها الأنبياء، وأسسوا عليها دعوتهم، وربوا عليها من اتبعهم من أممهم.
ولا ريب أن الإنسان إذا انقطعت صلته بالله ربه ورب ما يحيط به من أقطار السموات والأرض، واتخذ هديَ الأنبياء وراءه ظهرياً، فإن الشعور بكونه سيد الكون والمتصرف فيه، يستولي على كيانه وينمي فيه طغياناً جامحاً، كما قال تعالى: ((كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)).
فمن ذا الذي يخلصه من هذا البطر الذي ملأ كيانه؟ ومن ذا الذي يكبح جماح رغباته وحرصه الذي لا حدود له؟ ومن ذا الذي يحمله على إنصاف الناس من نفسه، والرضوخ لمقتضى الحق والعدل والفضيلة؟ والجواب: لا شيء إلا ما بقي في أعماقه من الفطرة التي فطره الله عليها، وجعله بها مستعداً للتهذيب والتخلق والسمو فوق المغريات، وهو ما يسمى بالإنسانية.

أيها الإخوة:
من هنا يتبين لنا معاشرَ المسلمين، مدى فضل الله علينا إذ بعث فينا خِيَرتَه من خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، وقدوتَهم وصفوتَهم: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [آل عمران/164].
فقد أغنانا عن الحاجة إلى تعريف حقوق الإنسان والتعاهد على مراعاتها، بما في هذه الرسالة العالمية العظيمة، من قيم العدل والإحسان والرحمة والخير. وقد طبق المسلمون الأولون تعاليمها أحسن تطبيق، ففاءت عليهم بظلال وارفة من الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي، ثم حملوها إلى أمم العالم، فحققوا بها للإنسانية حقوقاً لا تحلم بها في المواثيق الدولية اليوم.
وفي بقاء هذه الرسالة مصونة من الطمس، إلى يومنا هذا، رحمةٌ بالناس جميعاً، وسفينة نجاة لهم مما هم فيه يعمهون، وإن فرط المسلمون في الاستقامة على منهاجها، فأصابهم من جراء ذلك ما أصابهم. وفيما اشتملت عليه هذه الرسالة من ركائز الإيمان وشرائع الإسلام، ومكارم الأخلاق، وقواعد السلوك الإنساني الرشيد، ضمانةٌ كبيرةٌ لحقوق الإنسان التي كثر الاهتمام بها، وقامت لحمايتها الهيئات والجمعيات العالمية والوطنية في كل مكان.

أيها الإخوة:
إن المملكة العربية السعودية لم تكن يوماً ما حديثة عهد بشأن الحقوق الإنسانية، لكونها أسست على تطبيق الإسلام الذي قرر هذه الحقوق على أتم وجه، وراعت في تطبيقه ما تقتضيه المعاصرة من التزامات دولية، فلم تتخلف عن تمثيل نفسها في المحافل الدولية التي تداولت أعمال التأسيس لهذه الحقوق، ثم إصدار صكوكها، ثم التعاهد على تطبيقها. وبهذا أعطت المملكة نموذجاً تطبيقياً رائداً، في التوفيق بين الالتزام بالإسلام، والاستفادة من التجارب الإنسانية الإيجابية.
وفي الختام أشكر رابطة العالم الإسلامي بقيادة رئيس مجلسها الأعلى وأمينها العام، على ما تسهم به من جهود متميزة في توعية الأمة بواجباتها نحو دينها وأوطانها وقضاياها، ورد الشبهات والأباطيل الموجهة ضد الإسلام وحضارته ورموزه ومقدساته.
وأسأل الله تعالى أن يكلل أعمالكم بالنجاح والتوفيق لما فيه الخير للأمة الإسلامية جمعاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر