رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم



صاحبَ السموِّ الملكيِّ الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة،

سماحةَ الشيخ عبدِ العزيزِ بن عبدِ الله آل الشيخِ، المفتي العام للمملكة، ورئيس المجلس الأعلى للرابطة،

أيها الإخوة الكرام:

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأرحب بكم، سائلاً الله تعالى أن يوفق حجاج بيته الحرام، لأداء مناسكهم على الوجه الذي يحبه ويرضاه في راحة واطمئنان، ويتقبل منهم، وأن يثيب خادمَ الحرمين الشريفين وسموَ ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني، على الجهود العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.



وبعد:

فحرصاً من الرابطة على الإسهام في استجلاء المزيد من هدي الإسلام في الحقوق التي أثبتها للأفراد والجماعات، ومدى التوافق بينه وبين ما وصلت إليه العهود الدولية، اختارت حقوق الإنسان موضوعاً لمؤتمر مكة الرابع عشر، آملةً أن تبرزَ أبحاثُه سموَ الشريعة وأسبقيتها، في صون حرية الإنسان وكرامته بصورة وافية وشاملة، وتبرزَ المبادئَ التي تنطلق منها في تقرير الحقوق وحمايتها، إبرازاً يشجع الدول الإسلامية على الاهتمام بتطبيق الشريعة الإسلامية.

وهو أكبر حق من حقوق الأمة على ولاة أمرها، اقتداء بالمملكة العربية السعودية، التي أثمر تطبيقها لشرع الله خيراً كثيراً في الأمن والاستقرار والازدهار، وصيانة حقوق الإنسان أياً كان بعدالة وأمانة.

والموازنة بين ما توصلت إليه الجهود البشرية، في مجال حقوق الإنسان، وبين ما جاء في الإسلام، تكشف عن الكثير من التوافق.

وما من هدف إنساني صحيح تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا وله سند لدى المسلمين، مع فارق مهم هو أن كل حق من حقوق العباد، في شرع الله، يتضمن حقاً من حقوق الله، مما يكسبها مناعة واستقراراً وثباتاً، ومؤيدات من جهة كونها أوامر شرعية، يثاب الإنسان على فعلها ويعاقب على تركها. وأن الحقوق في الإسلام مقرونة بالمسؤوليات، فكل حق يقابله واجب.

وبهذا الفرق تسمو الشريعة بواقعيتها وتوازنها وشموليتها، في تقرير الحقوق وتشريع الأحكام المؤدية إليها، وأنها شرعت لكي ترسي القيم الحضارية والأخلاقية، وتزكي كل ما هو نبيل وشريف في المجتمع الإنساني.

والمتأمل فيما ورد في القرآن الكريم عن الرسل والرسالات الإلهية، يلحظ تركيزاً واضحاً على تكريم الإنسان، وربط حقوقه بإصلاح الأفراد والمجتمعات، من خلال إقامة العدل والإحسان ومحاربة الظلم والعدوان:

((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)) [الحديد/25].

((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)) [النحل/90].

وبعد مرور نصف قرن من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أظهر تطبيقه جوانب من القصور، أشارت إليها تقارير صادرة عن بعض مؤتمرات التنمية الاجتماعية التي نظمتها هيئة الأمم المتحدة، وأدت إلى بروز توجه يدعو إلى أهمية مراجعة المواثيق الدولية، لتكون ضامنة لكرامة الإنسان بصورة فعلية لا قولية فحسب، ولتبنى عليها علاقات اجتماعية متوازنة، توجه التنمية نحو إسعاد الإنسان.

وهذه الدعوة لتصحيح مسار الإعلان العالمي وغيره، تضع المسلمين أمام مسؤولية إبراز ما يتميز به الإسلام من المبادئ والقيم في مجال حقوق الإنسان، والحث على مراعاة الجوانب الأخلاقية والروحية في التنمية الاجتماعية.



وعلى هذا: فعلى الأمة الإسلامية أن تبادر إلى استخراج ما يتعلق بـ "حقوق الإنسان" من مخزونها الثقافي الثري، المستمد من كتابِ الله وسنةِ رسوله، والتطبيقاتِ التي تضمنتها سيرتُه صلى الله عليه وسلم، ومما استنبطه العلماء من هذه المصادر من قواعد، لإعداد رصيد معرفي يكون مرجعاً للموسوعات والدوريات الباحثة في هذا الشأن، ومادةً أساسية يصوغ المسلمون منها الرؤية الإسلامية في معالجة قضايا حقوق الإنسان.

وهذا الجهد منوط بالعلماء والباحثين.

والمؤمل من الجامعات ومؤسساتِ التربية والبحوث والدراسات في البلدان الإسلامية، أن تسهم في ذلك بنصيب وافر، لما لديها من طاقات ومؤهلات، من خلال إدراج مادة الحقوق الإنسانية، ضمن أولوياتها البحثية، وضمن مناهج التعليم ومقرراته.

وعلى الإعلام بما لديه من تقنية بث المعلومات، ووسائل يصل بها إلى شريحة كبيرة من الناس، أن يسهم برسالة رائدة، في نشر ثقافة حقوق الإنسان بالرؤية الإسلامية.

ومما يؤلم كل مسلم غيور أن كثيراً من بلاد المسلمين، بعيدة في التطبيق عن الحقوق التي قررها الإسلام للإنسان، وصان بها حرمته، وبناها على تكريم النوع البشري:

((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) [الإسراء/70].



وعلى تعظيم حرمة النفس:

((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)) [المائدة/32]؛ ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)) [الأنعام/151].

ومما يضعف الأمة عن تبليغ رسالتها إلى العالم، وتعريفه على ما تحمله هذه الرسالة الخالدة من مبادئ وقيم سامية، تعلي من شأن الإنسان وتحفظ كرامته، ما ابتليت به بعض مجتمعاتها من التطرف والغلو وما يؤدي إليه من أعمال إجرامية مدمرة، ذات طابع عنفي وإرهابي، أصبحت مناطق عديدة من العالم مسرحاً لها، والمؤسف أنها تجد دعماً خفياً أو جلياً من بعض القوى التي تجد في ذلك خدمة لمصالحها وتحقيقاً لمآربها.

ومما يعمل على إضعاف الأمة ويسيء إلى سمعتها ورسالتها، التعصب الحزبي والطائفي والذي يشكل بؤراً للصراع المحتدم داخل الأمة، وخطراً على أمنها واستقرارها.

وعلى المستوى الدولي يبدو التقصير في الشمولية والعدالة في تطبيق هذه الحقوق، والكيل بمكيالين مختلفين إيثاراً لاعتبارات من المصالح والتعصب الديني والحضاري.

وهذا ما تشهد الدلائل عليه من قضايا المسلمين بصورة واضحة، كما هو الحال في ميانمار وفلسطين وسوريا.

وإذا توانى الناس في نصرة الضعيف المظلوم، والوقوف إلى جانب الحق والعدل بحزم ونزاهة، واحترام إنسانية الإنسان، فإن الصكوك الدولية الإنسانية والجهات القائمة على تنفيذها، لا بد أن تفقد مصداقيتها، ويخيب أمل الكثير.



وإن رابطة العالم الإسلامي لتشكر خادم الحرمين الشريفين، الملكَ عبدَ الله بنَ عبد العزيز آلَ سعود، سدده الله وأيده، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأميرَ سلمانَ بنَ عبد العزيز آلَ سعود، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبد العزيز آلَ سعود، حفظهما الله وأعانهما، على ما تلقاه الرابطة من التشجيع المتواصل لمختلف مناشطها ومناسباتها.

والشكر لصاحب السمو الملكي الأميرِ خالدِ الفيصلِ، أميرِ منطقة مكة المكرمة، على جهوده، ودعمه للرابطة وأعمالها، وتفضله بافتتاح هذا المؤتمر نيابة عن خادم الحرمين الشريفين.

ولسماحة الشيخ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الله آلِ الشيخ المفتي العام للمملكة، ورئيسِ المجلس الأعلى للرابطة الشكرُ الجزيلُ على جهوده وحرصه على تحقيق الرابطة أهدافها.

والشكر لأصحاب المعالي والفضيلة المشاركين في هذا المؤتمر، على مشاركتهم وتعاونهم مع الرابطة.

وللإخوة المشاركين في هذا المؤتمر والمنظمين له، ورجالِ الإعلام الشكرُ والتقدير على التعاون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر