رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

إعداد أ.د.عبدا لملك عبد الرحمن السعدي - ممثل العراق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل, أمير منطقة مكة المكرمة حفظه الله
صاحب السماحة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ, المفتي العام للمملكة العربية السعودية
صاحب المعالي والفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي المحترم.
أصحاب الفضيلة والسماحة والسعادة علماءَ الأمة ودعاتها المحترمين.
السادة الحضور المحترمون.
أُحييكم بتحية الإسلام, فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأقول:
باسمكم جميعا ً؛ أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى صاحب المعالي فضيلة الأخ الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي؛ لدعوته لنا للمشاركة في هذا المؤتمر المبارك, نسأله تعالى أن يبارك في جهوده لخدمة الإسلام والمسلمين.
أحبابي الكرام :
نجتمع هذا العام في هذه الأيام الفاضلة المباركة؛ على أرض بيت الله الحرام , وبجوار الكعبة المشرفة, متبركين بقوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) ( الحج: 28).
والآية بعمومها تشمل المنافع المادية والمعنوية، نرجو الله تعالى أن يحقق لنا المعنى الثاني وهي المنافع المعنوية؛ إذ لا توجد منفعة ونعمة أجَلَّ وأعلى رتبةً من الاهتمام بأمر المسلمين كافة, والنظر في أحوالهم وما يحِل بهم من نكبات, وما يحصل عليهم من عدوان.

نجتمع في ظروف تمر بالعالم الإسلامي هي من أحلك الظروف؛ لما تعانيه من تحد ٍّ وتصدٍّ لدينهم وعقيدتهم من أعدائهم، ومن غدرٍ لحقوقهم الإنسانية والإسلامية، ومِن تسلُّطِ أعداء هذه الأمة عليهم: ما بين اضطهادٍ وتكميمٍ للأفواه عن النطق بكلمة الحق، وما بين ما يحصل عليهم من سفكٍ للدماء، وهتكٍ للأعراض، ونَهْبٍ وسَلْبٍ للممتلكات والأموال، وتهجيرٍ عن البلاد، وفقدانٍ لحرية الرأي وللديمقراطية التي ينادي بها دُعاتُها من الغرب والشرق, وأذنابُهم وعملاؤهم, وقد جعلوها مباحة ً لهم محرمة ً على المسلمين الذين يؤمنون بدينٍ يُعطي الحقَّ لأهله ويسمح بالمطالبة به.
وعلى مدى الأيام والساعات, نرى ونسمع من وسائل الإعلام ما يجري عليهم, من دماءٍ تُراق وتُسفك لأهلنا في فلسطين الحبيبة من اليهود أعداء الله وأعداء الإسلام, ويا ليت الأمر اقتصر على عدوان هذا العدو الغاشم اللدود، بل تجاوز إلى وقوعه ممن يرجو المسلمون منهم دفعَ الأذى عنهم :
رُبَّ مَنْ نَرْجوُ بِهِ دَفْعَ الأذَى سَوفَ يَأتِيكَ الأذى مِنْ قِبَلِهِ
فقد استباح هؤلاء المتسلطون دماءَ شعوبهم، واغتصابَ نسائهم، وهدْمَ مساكنهم على رؤوسهم، ونهبَ ثرواتهم وأموالهم، وتهجيرَهم عن أوطانهم، وإحلالَ التمايز بين أبناء البلد الواحد باسم الطائفية المَقيتة والمذهبية البغيضة؛ لأنهم جعلوا من المذهبية ومن الأحزاب السياسية المتناحرة وسيلةً للتفرقة.
وما ذنب هؤلاء الشعوب المسلمة إلا أنهم مُتمسِّكون بدينهم, ملتزمون بعقيدتهم, معتزُّون بسلفهم الصالح من الصحابة والتابعين؛ الذين نشروا الدينَ، وقضوا على الوثنية والشرك، وضحُّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وأوْصلوا الدينَ إلى أرجاء المعمورة, وبخاصة الخلفاء الراشدون الأربعة الذين أثنى الله عليهم ورسولُه, ورضي عنهم وجعلهم أنصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعواناً له.
وذنبهم أيضاً أنهم يحبون ألَ بيتِ النبوة؛ وفي مقدمتهم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات اللاتي طهرهن اللهُ تطهيراً, إذ قد أصبح عند البعض سبُّهُم والطعنُ فيهم شعيرةً وعبادة يتقربون بها - في زعمهم- إلى الله وأهل بيته الأطهار, والمفروض أن يحبوا الجميع ويترضوا عن الجميع لو كانوا مسلمين حقًّا .

وقد ترتب على هذا العدوان: كثرة الأرامل والأيتام الذين أصبحوا لا مُعيل لهم إلا الله, وكان المفروض بمثل هؤلاء الحكام؛ الاهتمامُ بوحدة المسلمين, وتقديم الخدمات لشعوبهم, وتهيئةَ العيش الرغيد لهم.
وبهذه المناسبة أود أن أنقل لحضراتكم ما يجري الآن في عراق الأمة، عراق العروبة، عراق الفاروق وسعد ابن أبي وقاص، عراق المذاهب والعلماء والأئمة والمُصلحين ، محراب العلم والثقافة، فأقول:
لم يبق للعراقيين أيَّةُ حقوق أو حرية في الرأي ولا احترام لهم ولا لمساجدهم، فقد أُهينت المساجد بالهدم والتخريب والحرق, وقتلِ أئمتها والعاملين فيها, وملاحقة وقتل روادها والمصلين فيها, مع ما يحصل للعوائل من مداهمات وهدم وتخريب للبيوت وتحطيم لأثاثها، واعتقالات عشوائية وسجون لأبنائهم ورجالهم ونسائهم, فقد غَصّت بهم السجون المُعلَنة وغير المُعلَنة، تؤخذ المرأة بدلاً عن الرجل إذا لم يوجد في داره ويُنتهك عِرضُها، ومن تهجير لهم عن مساكنهم, وما يحصل من إعدامات إثر أحكام جائرة تصدر من محكمة مُسَيَّسة تفتقد أدنى درجات العدل والإنصاف، ولا يطلق سَراح مَن تُبرؤه محكمتُهم إلا بدفع المال الكثير فدية له؛ وكل ذلك لأنَّ الحكومة اتَّجهت لتأجيج النزعة الطائفية فيه؛ بتمييز طائفة عن أخرى, بل ربما بين المُكوِّن الواحد، وشاع الفساد المالي والإداري، وكثرت الرِّشوة في جميع مفاصل الدولة، مع فقدان الخدمات، وتفشي الفقر والبطالة فيه رغم ثرواته الغنية.
ومما يؤسف له أن هذه الإجراءات تدعمها بعض الدول التي تدَّعي الإسلامَ من منطلق الحقد الطائفي, ويجري ذلك على مسمع ومرأى من المنظمة الأُممية والمنظمات العربية والإسلامية فلا يحركون ساكنا ً عن ساكن.
وكما حصل هذا في العراق حصل في سوريا وأماكن أُخرى من بلاد المسلمين اليوم.
وأنتم يا علماء الأمة ودعاتُها, تتحملون مسؤولية كبرى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنتم حماة الدعوة الخالصة والعقيدة الصافية النقية, فعليكم واجبُ الإعلان عن إدانتكم لما يحصل، والاستنكار له عبر وسائل الإعلام ومنابر الحق وفي أساليب الدعوة والإرشاد، وعليكم أن تحثُّوا على إنقاذ المظلوم من الظالم؛ لأن الأُمة إذا لم تواجه الظالم بظلمه وتمنعه من الظلم فقد تُوُدِّعَ منها.
فما ذنب الأطفال والنساء والرجال الأبرياء إلا أنهم يحبون سلف هذه الأُمة ويعتزون بهم ويتسمون بأسمائهم ؟! فقد كثر القتل على الاسم والهوية !
وإذ مَنَّ الله علينا بهذا الاجتماع المبارك في هذا البلد الأمين وتحت رعاية حُماته القائمين بشؤونه - جزاهم الله خيراً- فعلينا أن نوحِّد كلمتنا ونحُث المسلمين على وحدة الصف والكلمة كما أراد الله بقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).(المؤمنون).

وعلى علماء الأمة أن ينتبهوا لمثل هذه المؤامرات والمخططات الخطيرة والخبيثة التي تفرق الأمة، وتزرع بينهم نزعةَ الطائفية والقومية، وأن يركزوا على استحصال حقوق المسلمين بصورة خاصة والإنسانية بصورة عامة بكل أشكالها وألوانها ؛ لأنها مسؤولية كبيرة على من أثنى عليهم الباري جل شأنه, وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكه بقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم).( آل عمران ).
ورفع قدرهم درجات- إن قرنوا العلمَ بالعمل والإخلاص له تعالى بقوله -: (‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏).( المجادلة: 11).
وجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثةَ الأنبياء بقوله: {العلماء ورثة الأنبياء}.
فهذه نعمة يجب علينا شكرُها؛ بأن نُسَخِّرَ العلم لنصرة دينه ونفع المسلمين في كل مكان، وأن ندافع عن أوطانهم وعقيدتهم بكل ما نتمكن، وأن لا نضعف ولا نستكين عند تحدي الأعداء لنا (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).(آل عمران).
ومع ذلك فلابد من أن نلجأ إليه تعالى عندما تحِل بنا النكبات والاعتداءات، ونرفعَ أكُفَّ الضراعة إليه -جل شأنه- أن ينصر أهل الحق ويخذل أهل الباطل .
كما نتوجه إليه - جل شأنه- بأن يحفظ الحرمين الشريفين من شر الأشرار، وأن يمُنَّ على هذا البلد بمزيد من الأمن والاستقرار وجميع بلاد المسلمين، وأن يجمع المسلمين على مَرضاته, ويزيل عنهم الخلافات الفرعية, وأن يُبصِّرَ أُولي الأمر من أُمراء وعلماء لإحقاق الحق وإزهاق الباطل؛ إنه سميع مجيب.

وختاماً:
باسمكم جميعاً أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى راعي هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وحكومته الرشيدة على حسن الرفادة والتكريم لنا.
وأُكرِّر الشكر لمن كان سببَ دعوتنا وحضورنا الأخِ الدكتور عبدِ الله بن عبدِ المحسن التركي الأمين العام للرابطة وعلى حسن استقباله واستضافته تحت ظل هذه الرابطة الكريمة.
وفَّق الله الجميع لحفظ البلاد ورعاية العباد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر