رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

بسم الله ارحمن الرحيم



صاحب السمو الملكي، الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة،

صاحب السماحة، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة ورئيس المجلس التأسيسي للرابطة،

أيها الإخوة الكرام،

سلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

وإنه لمن دواعي الغبطة والسرور أن تلتقي في مثل هذه الأيام المباركة من كل سنة، نخبة من أولي العلم والبحث في الشأن الإسلامي، لتدارس موضوع من الموضوعات المهمة، تختاره الرابطة ليكون عنواناً لمؤتمر مكة المكرمة. وقد اعتادت الرابطة أن تجمع أبحاث كل دورة، في كتاب تطبعه وتوزعه، فأصبح لديها رصيد من الأبحاث في العديد من القضايا المهمة، كالعلاقات الدولية بين الإسلام والحضارة المعاصرة، والأمة الإسلامية في مواجهة التحديات، والحوار الحضاري والثقافي، والأمة الإسلامية والعولمة، وصورة الإسلام في الإعلام الغربي.

ووقع الاختيار في دورته التاسعة هذه على موضوع "التعريف بالإسلام في البلاد غير الإسلامية بين الواقع والمأمول".

والبحث في مسألة التعريف بالإسلام، بحث له صلة مباشرة بصفة من أهم صفات هذا الدين الحنيف الخاتم، وهي صفة العالمية؛ فإن الإسلام رسالة مفتوحة على العالم، موجهة للناس كافة، مصداقاً لقوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء/107]، وقوله سبحانه: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)) [سبأ/28]. اشتملت على أرقى ما عرفه الفكر البشري من القيم والمبادئ المُهَيِّئة لعمارة الأرض بمجتمع إنساني رشيد. وقد بدأت هذه الصفة العالمية للإسلام، تأخذ مجراها الواقعي من أول يوم، فانضم إلى المسلمين الأولين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، ثم انضوت تحت الإسلام أمم من بعدهم، من الزنج والفرس والترك والهند والصين وغيرهم.

وهذه الرسالة العالمية التي أعز الله بها المسلمين، وجعلها مناراً يهدي الفكر البشري إلى سبيل الرشاد، تتلخص أصولها ومبادئها في القرآن الكريم، فهو مصدرها ومنبعها؛ أنزله الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ جامعاً فيه ما تفرق فيما سبقه من الزبر والصحف، من أصول التشريع، وقواعد الأخلاق، ومبادئ الفكر الرشيد، فأخرج الله به أمة ذاتَ طراز فريد، خاشعةً لله، مهذبةَ الأخلاق، مصقولةَ العقول من صدأ الأوهام والخرافات والأساطير: ((قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [المائدة/15، 16].

وكما أن الإسلام لا يستمر قائماً محفوظاً بين أبنائه، إلا بجهود دائبة من التعليم والدعوة والذب لما يمكن أن يعلق بنقاوته ونصاعته، من شوائب البدع والخرافات والأباطيل ومحاولات التغيير لبعض أحكامه، فكذلك لا يمكن أن ينتشر بين غير المسلمين إلا بجهود من التعريف بأصوله في العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، وتفنيد الشبهات والأكاذيب التي يروجها أعداؤه، حرصاً منهم على صد الناس عنه، كما قال تعالى: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)) [فصلت/26].

وقد كَتَب العديد من غير المسلمين عن الإسلام، وعرضوه لقومهم بالصورة التي يرونها، ودخل في المناهج المدرسية والجامعية في العديد من دول العالم، وقد ازداد ذلك في العقود الأخيرة زيادة واضحة. ويلاحظ أن الدراسات التي يقدمها غير المسلمين عن الإسلام، تقوم في أكثرها على روح من الاستعلاء الثقافي والنظرة النقدية للتراث الإسلامي، البعيدة عن البحث الحر النزيه، فعرضت الإسلام عرضاً مزوراً، حتى القرآن الكريم لم تسلم ترجمة معانيه من التحريف المعنوي، عمداً أو نتيجة الجهل باللغة العربية وأساليبها. وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت العامة والبسطاء من الغربيين، ينظرون إلى المسلمين نظرة فيها كثير من الإجحاف والازرداء، وجعلتهم يتخوفون من الإسلام.

وتبقى المسؤولية دائماً على عاتق المسلمين في التعريف الصحيح بالإسلام في البلدان غير المسلمة. ولكنها مُهمة لا تتم بطرق مرتجلة أو جهود مبعثرة، بل تحتاج إلى مجموعة من الدراسات الاستطلاعية المعمقة التي تساعد على فهم خصائص المجتمعات التي يعرف بالإسلام فيها، وكيفية القيام بهذه المهمة في داخلها على أفضل وجه، بحسن استخدام الوسائل المكافئة والفرص المتاحة والمفاتيح المتيسرة، والبحث في سبل التعامل مع المشكلات والتحديات التي تعترض طريقها. والمؤمل أن يقدم هذا المؤتمر شيئاً مفيداً في هذا المجال.

ومهمة التعريف بالإسلام والدفاع عنه، تتوجه بدرجة أولى إلى العلماء المتشبعين بالثقافة الإسلامية، والمطلعين في نفس الوقت على الحياة الغربية، وما يؤثر فيها من تيارات فكرية وفلسفية، ونظم سياسية واقتصادية وغيرها؛ فهم الذين يملكون القدرة على الإقناع بحاجة البشرية إلى الإسلام، وعلى إبطال الشبهات والدعاوى الكاذبة المنسوبة إليه، كالتطرف والإرهاب وظلم المرأة وعدم القابلية لمواكبة العصر.

كما تتوجه هذه المهمة إلى الجهات الرسمية الممثلة للحكومات الإسلامية، فإنها تستطيع أن تنظم الكثير من الأعمال الثقافية والعلمية المعرفة بالتاريخ والحضارة الإسلامية، في إطار التبادل الثقافي والتعاون العلمي، وتستفيد من الحريات التي تتيحها الأنظمة المعمول بها.

وتتوجه مهمة التعريف بالإسلام إلى أصحاب الأموال، فإن أي مشروع لا يمكن أن ينجز إلا بالتمويل؛ والتعريف بالإسلام في البلاد الغربية خاصة، يحتاج إلى أعمال علمية نوعية، وإلى ترجمة، وإلى طباعة ونشر وتوزيع، وإنتاج برامج إلكترونية متميزة ومناسبة، وبرامج إعلامية متنوعة، وإنشاء مواقع على شبكة الإنترنت، وقنوات فضائية، وأشياء كثيرة لا يمكن أن يتحرك منها شيء إلا بتأمين التكلفة المالية المطلوبة.

وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يكلل أعمال هذا المؤتمر بالنجاح والتوفيق، وأتوجه نيابة عن المشاركين فيه، بالشكر والتقدير لمقام خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، على الرعاية الكريمة لهذا المؤتمر وغيره من مناسبات الرابطة ومناشطها، ومن أهمها المؤتمران الأخيران حول الحوار بين أتباع الأديان، اللذان نظمتهما الرابطة في مكة المكرمة، ثم في مدريد، بتوجيه ودعوة ومتابعة منه حفظه الله، وقد كانت لهما أصداء قوية وآثار طيبة على المستوى الإسلامي والعالمي. فشكر الله له ولسمو ولي عهده الأمين، سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز – متعه الله بالصحة والعافية- ولحكومتهما الرشيدة، ونصر بهما دينه. والشكر الجزيل لصاحب السمو الملكي الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز، أمير منطقة مكة المكرمة، على تفضله بافتتاح هذا المؤتمر واهتمامه بمناسبات الرابطة وجهودها. وما يقوم به خدمة لدينه وأمته ولهذا البلد الأمين.

كما نقدم الشكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس المجلس التأسيسي للرابطة، على تشجيعه ودعمه للرابطة ومشاركته في مختلف مناسباتها. والشكر لكل الإخوة الباحثين والمتعاونين وبخاصة وسائل الإعلام.

والشكر للجان المؤتمر التحضيرية والعلمية والتنظيمية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر