رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإن من دواعي السرور أن تجتمع في مثل هذه الأيام المباركة من كل سنة ، نخبةٌ من أهل العلم والباحثين في الشأن الإسلامي العام ، في هذا المؤتمر لتدارس موضوعٍ من الموضوعات ذاتِ الصلة بواقع الأمة وقضاياها .

إن أهم ما يتسم به عصرُ العولمة ، ما يسمى بثورة المعلومات ؛ ذلك أن وسائل الاتصال اندمجت مع وسائل الإعلام ، في تكوين شبكة عالمية تعتمد على التقنيةِ الرقميةِ والإرسال الفضائي ، يتواصل الناس بواسطتها ، ويتبادلون المعلوماتِ بشتى صورِها ؛ المكتوبةِ والمسموعة والمرئية .

    ولا مِرْيةَ في أن التقنية العالية التي تخدم الاتصالَ وتُطورُ وسائلَه قد أحدثت تغيراً عميقاً في العلاقات والتعامل ، وجعلت الاتصالَ في صميمِ حياةِ الناس ، حتى أصبحوا يعتمدون عليه في كثير من شؤونهم وأعمالهم ، لا سيما مع تسهيل أعمال الترجمة التي تُزيل الحواجز اللغوية .

ولئن كان الأفرادُ يستخدمون وسائلَ الاتصال ، لتبادل المعلوماتِ بعفوية وارتجال، فإن المؤسساتِ المهتمةَ بالإعلام لها رسائلُ تبلغُها وأهدافٌ تسعى إلى تحقيقها ، من وراء ما تبث من برامج ، وما تقدم من موادَ ومحتويات . فإذا كانت الرسالةُ الإعلاميةُ بريئةً من الأغراض السيئة ، إنسانيةً في ذاتها ، متصلةً في أهدافها بمصالح الأمة والتفاعلِ الاجتماعي الإيجابي ، وكانت المادةُ الإعلاميةُ منضبطةً في محتواها بما لا يتعارضُ مع العقيدة والقيم الخلقية الإسلامية . فذلك هو الإعلامُ الذي ينشده المصلحون ، والذي يَصْلُحُ عليه حالُ المسلمين ، وينسجمُ مع خصوصيتهم ويساعدُهم على تقوية الأواصرِ بينهم ، وتبليغِ رسالتِهم إلى العالم .

بيدَ أن الانفتاح الذي جاءت به العولمة في مجال الإعلام والمعلومات ، يُعدُّ تحدياً جديداً وشديداً ، في وجه العمل على إصلاح إعلام الأمة وتحريرِه من السلبيات .

فالإعلام العالمي يمارس منافسةً شديدةً في داخل العالم الإسلامي ، بامتلاكه لنسبة كبيرة من الوسائل الفضائية ، مع الاحترافيةِ في الإنتاج والأداء ، والاعتمادِ على الخبرة في دراسة المجتمعات ، ووفرةِ الوسائل في إنتاج البرامج العامةِ والتخصصية ، الأمرُ الذي يجعل كثيراً من المسلمين في موقع المتلقي الذي لا يُنتجُ المعلومةَ ، بل يستهلكُها أو يعيدُ إصدارَها ، وقد تكون منطويةً على خطر على العقيدة أو الأخلاق .

ومع هذا فلا ينبغي أن يقف المسلمون أمامَ هذه التحدياتِ ، مشدوهين لا يسـتطيعون حيلةً ولا يهتدون سـبيلاً ، وقد أرشـدهم القرآن الكريم إلى مبدأ : ( إنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) [ هود/88 ] ، وأرشدتهم السنة إلى مبدأ : " لا تَحْقِرَنَّ منَ المَعْرُوفِ شَيْئاً " .

فخطوةٌ واحدة من التقدم في الخير أو الابتعادِ عن الشر ، عملٌ صالحٌ لا يستهان به ، فقد يترتب عليه خيرٌ عظيم ، خاصةً وأن العالم الإسلامي يتوفر على إمكاناتٍ ماديةٍ جيدة ، ويزخرُ بالكوادر الإعلامية والخبرةِ الفنية التي تستطيع – بإذن الله – إذا ما أُحسن توظيفُها من خلال مشاريعَ ومؤسساتٍ صالحة ، أن تُنتجَ أعمالاً إعلامية متميزة ، تكون بديلاً صالحاً يَفيءُ إليه أبناءُ الأمة سواءٌ في العالم الإسلامي أو في مجتمعات الجاليات ، ويُسهمُ به المسلمون في الشبكة العالمية للإعلام والاتصال ، في الدفاع عن قضاياهم ونشرِ ثقافتهم ، وتقديمِ ما لديهم في إصلاح المجتمعات الإنسانية .

وليس من الحكمة أن يُقصرَ النظرُ إلى العولمة ، على جوانبها السلبية ، وأن يُوقَفَ منها موقفَ الممانعةِ والاحتماء ، بل لا يجدي معها إلا المشاركةُ بما ينفع ، وذلك يقتضي التعرفَ على جوانبها الإيجابيةِ العديدة ، واستثمارَها في الخير . ومن ذلك دعمُ التواصلِ والتعاون الإسلامي بواسطة الإعلام والاتصال .

والحمدُ لله فإن الأمة لا تزال بخير ، ولا تزال قلوبُ أبنائِها حيثما كانوا تنبضُ بالوفاء والولاء لها ، ومن ثَم فهي تتطلع وبخاصةٍ في مجتمعات الجاليات المسلمةِ إلى ما تنتجه أمتُهم من أعمال إعلامية وثقافيةٍ تشدهم إلى دينهم وتربطهم بأمتهم .

ويكفينا مثلاً ما يصدر من هذه البلاد المباركةِ من قنواتٍ إذاعيةٍ وتلفازية تنشر القرآنَ والسنةَ والثقافةَ الإسلاميةَ ، والأمثلةُ في العالمِ الإسلامي وخارجِه كثيرة . وهي تحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير والتكامل .

وفي الختام ، أسأل الله تعالى أن يكللَ أعمالَ هذا المؤتمرِ بالنجاح والتوفيق .

وأتوجه بالشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين ، الملكِ عبدِ الله بنِ عبدِ العزيز آلِ سعود ، على الرعاية الكريمة التي أولاها لهذا المؤتمر ، وعلى الدعم المتواصل الذي تلقاه الرابطةُ من حكومته الرشيدةِ في مناسباتها ومناشطِها .

فشكر اللهُ له ولسمو ولي عهده الأمين الأميرِ سلطانَ بنِ عبدِ العزيز – متعه الله بالصحة والعافية – ولسمو النائب الثاني الأميرِ نايفِ بنِ عبدِ العزيزِ .

ولصاحب السمو الملكي الأميرِ خالدِ الفيصلِ بنِ عبدِ العزيز ، أميرِ منطقة مكةَ المكرمة ، لتفضـله بافتتاح هذا المؤتمر ، وعلى اهتمامه بمناسـبات الرابطة وبرامجها ، وعلى ما يقوم به خدمةً لدينه وأمته ولهذا البلد الأمين ومن يفدُ إليه .

وأشكر لسماحة الشيخِ عبدِ العزيز بنِ عبدِ الله آلِ الشيخ ، رئيسِ المجلس التأسيسي للرابطة اهتمامَه بها ودعمَه لبرامجها ومشاركتَه في مناسباتها .

وأشكر لجميع الإخوة الذين لبوا دعوةَ الرابطةِ وشاركوا في هذا المؤتمر ، ومن تفضل بحضور هذا الحفل .

وأسأل الله للجميع إخلاصَ القولِ والعملِ لله والتوفيقَ لما يرضيه .

والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته .









كلمة معالي الدكتور

عبد الله بن عبد المحسن التركي

الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي

في افتتاح

مؤتمر مكة الحادي عشر

" التحديات الإعلامية في عصر العولمة "

مكة المكرمة : 5-7/12/1431هـ الموافق 11-13/11/2010م


 

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر