رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

عصام البشيرالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وبفضله تتنزل الخيرات والبركات, وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن فيصل بن عبدالعزيز – أمير منطقة مكة المكرمة

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية

معالي الأستاذ الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الإخوة الحضور من العلماء والمشايخ الفضلاء الأجلاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعز الله مقاماتكم, ومضر وجوهكم, وكلل مساعيكم الخيرة بالنجاح والتوفيق.

ثم أما بعد:

فما أجمل أن نلتقي هذا اللقاء الذي يحوطه الشرف من جميع الجوانب, شرف المكان.. وشرف الزمان.. وشرف المعنى والمغزى.

فأما المكان.. فمكة المكرمة, البلد الحرام الذي أقسم الله به في موضعين من كتابه الكريم, وجعله مثابة للناس وأمنا, ومهوى لأفئدة العباد, ومجمعاً لأفراح العباد – وما أصدق القائل حين قال:

ما الشام مقصدنا كلا ولا حلب

لكن لمكة منا ترحل النجب

أم القرى لست أنسى إذ تقربني

والدمع من فرحي في حجرها صبب

مالعمر إلا سويعات ذهبن بها

صفر سواها وهن الخالص الذهب

وأما الزمان.. فالعشر الأوائل من ذي الحجة الحرام, والتي وصفها الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه بأنها أفضل أيام الدنيا.

آهاً لأيامنا بالخيف لو بقيت

عشرا وواها عليها كيف لم تدم

فيارعى الله سكان الحمى وحمى

حي الحجون وحياه بمنسجم

وحبذا بيض ليلا بسفح منى

كانت قصاراً فطالت منذ بينهم

وأما شرف المعنى والمغزى.. فهو انعقاد هذا الملتقى برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين, في بلاد ائتلف فيها القرآن والسلطان, وتواثقت فيها الدعوة والدولة, وتآخى فيها العلماء والأمراء.. كما يأتي هذا المؤتمر في رحاب رابطة العالم الإسلامي التي عودتنا بجهود معالي أمينها العام الهمام على المبادرات البناءة الرامية لدفع جهود المسلمين نحو الغايات المنشودة والآمال المبتغاة, والتي تفسح المجال رحيباً أمام علماء هذه الأمة لمناقشة الآراء حول القضايا التي تدخل في صميم همومها واهتماماتها: مثل موضوع هذه الدورة الثالثة عشرة من هذا المؤتمر الجامع بعنوان (المجتمع المسلم.. الثوابت والمتغيرات)

فقد غدت الحاجة ملحة لتجديد ما هية الثوابت والبناء عليها باعتبارها تمثل خصائص الهوية ومعاقد الذات, والنظر إلى عالم المتغيرات باعتباره يمثل الأمور التي يطر عليها التبديل والتغيير فلا تستقر على حال ولا تدوم على قال, كمسائل الأفرع الخارجة عن الاجماع الفقهي, والفتيا التي تتغير بتغير الزمان والمكان, وأما ما يميز القيمة الخلقية أو المعنوية, سواء كانت فردية أو جماعية, بسمة الثبات فهو كونها مستقرة بحيث لا يطرأ عليها تحول ولا تغير, ودائمة لا تتأثر بتغير الزمان ولا المكان, صالحة بحيث لو كانت قابلة للفساد والبطلان لفقدت صفة الاستقرار والديمومة, وشاملة بحيث تعم الجميع باختلاف طبائعهم وأفكارهم الكلية, وتكون مشتركاً إنسانياً وحضارياً بحيث لا يضرها اختلاف الدين أو تباين المستوى الحضاري, كما أنها قادرة على التكيف مع دواعي الزمان وفرائض المكان, ونعلم تمام العلم أن اختلاف وجهات النظر وتقدير الأشياء والحكم عليها أمر فطري طبيعي له علاقة بالفروق الفردية إلى حد بعيد, إذ يستحيل بناء الحياة وقيام شبكة العلاقات بين أصحاب القدرات المتطابقة, والنمطية المتساوقة, ذلك أن الأعمال الفكرية تتطلب مهارات ذهنية وعقلية متفاوتة, وكأن حكمة الله اقتضت أن يكون بين الناس بفروقهم الفردية – سواء أكانت خلقية أم مكتسبة – وبين الأعمال في الحياة تواعد والتقاء وكل ميسر لما خلق له رغم التباين والتضاد.

ولن يضير أولى التقوى اختلافهم

وهم على فطرة الإسلام قد فطروا

وقد جاءت الدعوة في القرآن الكريم للتعايش بالمعروف بين الناس – بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم – إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء.. قضاء واقتضاء.. ظعنا وإقامة, وقد حدد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله (لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلون في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب, ولم يظاهر على إخراج, فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر, وهو جماع حسن الخلق, والقسط, وهو العدل والفضل والإحسان.

وحيث إن التاريخ دورات متعاقبة لا تستقر على حال فإن من السنن الاجتماعية التي حدثنا عنها القرآن الكريم, كسنة التداول وسنة التغيير وتبدل الأحوال, وسند التدافع, ما يؤكد على ضرورة توسيع دوائر المشترك الإنساني, التي تمثل الحد الأدنى الذي يلتقي عليه أكثر البشر, كدائرة القيم الإنسانية, ودائرة المبادىء الدينية, ودائرة المصالح المتبادلة, فإن خصوصية الإسلام المتمثلة في صحة معتقده وصواب منهجه وإحكام شريعته وترابط مجتمعاته, لا يراد لها أن تعزل المنتسبين إليه عن الآخرين, بقدر ما يراد لها أن تمهد الطريق لهم للتعامل مع الآخرين.

(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

فالإسلام دين تبدت قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة على مر الدهور والأيام, بما شهد له العدو قبل الصديق, فإن وسطية الإسلام لا تجعله ينظر للآخر بإزدراء واحتقار, كما لا يراه بعين الإعجاب والانبهار, بل يتعامل معه وفق إيمانه بالتعددية الحضارية الثقافية التشريعية والسياسية والاجتماعية التي تعزز مسيرة التواصل الحضاري الإنساني وتجدد الإحساس بقيمة الوقت وقيمة العدل في ظل مناخ كريم, وتدعو لإلى قيام شراكة حضارية فيها عقلاء العالم على تفاهم عام.. ينهض على قيم المساواة والعدل في الحقوق والواجبات, والحق في الاختلاف والاعتراف المتبادل, والحرية المسؤولة, والاحترام للخصوصيات, وصون العقائد والرموز والمقدسات والوفاء بالعهود والمواثيق وتوثيق المشتركات الإنسانية والحضارية.

إن الغاية المتفق عليها بين بني البشر, في سبيل أن ينعم الجميع بثمرات هذه الحضارة الإنسانية سعادة ورخاء هي الاستخلاف وعمارة الأرض, وهذا هو العنصر الثابت فيما يتعلق بغايات الوجود الإنساني والاجتماع البشري, إلا أن تحقيق معنى الاستخلاف, وصور عمارة الأرض من المتغير, ويجوز للإنسان أن يتخذ من الوسائل والآليات ما يحقق الغايات, بل يجب عليه الاجتهاد مرة بعد مرة في إبداع وسائل جديدة لعمارتها وتحقيق موعود الاستخلاف فيها.

 

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر