رابطة العالم الإسلامي

مؤتمرات مكة المكرمة

كلمة معالي الأمين العام الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في افتتاح مؤتمر مكة المكرمة الثالث عشر للعام 1433هـ تحت عنوان : المجتمع المسلم الثوابت والمتغيرات في الفترة : 4-6/12/1433هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
صاحبَ السموِّ الملكيِّ الأميرَ خالدَ الفيصل ، أميرَ منطقةِ مكةَ المكرمة ،
سماحةَ الشيخِ عبدَ العزيزِ بنَ عبدِ الله آلَ الشيخِ ، المفتيَ العام للمملكة ، ورئيسَ المجلس الأعلى للرابطة ،
أيها الإخوة الكرام :
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته . ويسرني أن أرحب بكم في رابطة العالم الإسلامي ، سائلاً الله تعالى أن يوفق حجاج بيته الحرام إلى أداء مناسكهم على الوجه الذي يرضاه ، وأن يجزي خادم الحرمين الشريفين وسموَ ولي عهده الأمين خيراً ، على الجهود الكبيرة التي تبذل ، لتيسير أداء الحجاج مناسكَهم في راحة واطمئنان .
 
إن للدين الذي اصطفاه الله وارتضاه لعباده قوةً تأثيرية كبيرة على الفكر والسلوك ، فهو يطهر العقيدة من الخرافات والأساطير والأباطيل ، ويطهر الأخلاق من الرذائل والفواحش ، والقلوبَ من الأهواء والتشبث بزخرف الدنيا .
 
إن الدين هو المصباح المنير للطريق اللاحب المستقيم، الذي تصلح عليه أحوالُ العباد الفرديةُ والجماعية ، الدنيويةُ والأخروية :
 
(( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )) [ الإسراء/9 ] .
 
قال بعض المفسرين : هذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم ، لو أريد تفصيلُه لاقتضى أسفاراً .
 
والإسلام الذي خُتمت به الرسالات الإلهية ، جاء بشريعة في غاية الاتساق والشموليةِ والكمال ؛ لتكون منهاجاً خالداً للمسلمين في عقيدتهم وعباداتهم ومعاملاتهم وشؤونهم المختلفة ، مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وعاداتهم، وكيفما تقلبت بهم الظروف .
 
والشريعة الغراء ثابتة في أحكامها بالنظر إلى الأصولِ الكلية ، والقواعدِ العامة .
 
وهذا الثبات الكلي الذي تتسم به ، لا يتعارض مع مرونتها في التطبيق والمعالجة ، مرونةً تراعِي تغيرَ الظروف والأحوال ، وما يطرأ فيها من مستجدات ذات اعتبار .
 
وقد جعل الله في شرعه الحنيف من القوة والمرونة ما يكفل له الاستمرار والصلاحية المتجددة ، مع تجدد وسائل العيش وتطور مرافق الحياة .
 
إن بيان الموقف الشرعي من كل نازلة تحتاج إلى نظر، مناطٌ بفقهاء الأمة العالمين بنصوص الكتاب والسنة ، العارفين بمسالك النظر والاستنباط ، المتبصرين بأحوال العصر وشؤونه وملابساته .
 
إن الإسلامَ لا يُعيق حركةَ الحياة وتطوراتِها ، بل  يواكبها بمقاييسَ ثابتة ، يزن بها المستجدات ، ويقومها ويوجهها بما يناسب من الأحكام المُجلِّية لما فيها من خير وصلاح فيُجتلب، أو شر وفساد فيُجتنب .
 
ذلك أن وظيفة التشريع في الإسلام وظيفةٌ إصلاحية تربوية ، توجه السلوك البشري الفردي والجماعي ، حتى لا ينحرفَ عن مسار الصلاح ، ولا ينزعَ نحو الشر .
 
وبذلك تمنح الشريعةُ الإنسانَ قيمته الحقيقية ، فتصلَه بربه ، إيماناً به وعبادة له ، وامتثالاً لأوامره ، وتقيَه من طغيان النزعة المادية، وتنميَ فيه الفضيلة والقيمَ السامية الجميلة ، في سلوكه وأخلاقه ومعاملاته ، فيكونَ عضواً صالحاً في مجتمعه ، يسخر جهوده في خدمته وصلاحه ، مؤتمناً على الأنفس والأعراض والأموال .
 
إن المجتمعات المسلمة ، تواجه اليوم انفتاحاً شاملاً على غيرها من المجتمعات ، وتعاني من ضعف في كثير من المجالات ، مما أيقظ لدى كثير منها الرغبة في التغيير ، فأصبحت بذلك على مفترق الطرق في حسم مصيرها ، وبرزت الضرورة الملحةُ إلى مضاعفة الجهود من قياداتها ونُخبها وهيئاتها ، لتوعيتها وتبصيرها بتمييز الثابت والمتغير ، في شؤونها المتصلة بهويتها الدينية والحضارية ، وتزويدها بمعاييرَ إسلامية لفرز الصالحِ المقبول من الطالح المردود ، مما عند الآخرين من قيم ونظم اجتماعية واقتصادية وسياسية ، وتحديدِ القواعد الموجهة لضبط التعامل مع غير المسلمين ، بما يحفظ للمسلمين حقوقَهم ومصالحهم ، ويمكنهم من إقامة دينهم ، دون إخلالٍ بالتعامل مع الآخرين في خدمة المجتمع الإنساني وقضاياه المشتركة .
 
ويُؤمّل من هذا المؤتمر الذي تشارك به الرابطة في توعية الأمة وتوجيهها في هذه الظروف الحرجة ، أن يكشف اللثام بالتحليل لما سبقت الإشارةُ إليه ، ويسفرَ عن نتائجَ مهمةٍ وعملية يقدمها للأمة من آراء هذه النخبة المشاركة .
 
ويسر رابطةَ العالم الإسلامي أن تشكر خادم الحرمين الشريفين ، الملكَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيز آلَ سعود ، سدده الله وأيده ، وسموَّ ولي عهده الأمين الأميرَ سلمانَ بنَ عبدِ العزيز ، حفظه الله وأعانه ، على ما تلقاه الرابطة من التشجيع والدعم المتواصل لمختلف مناشطها ومناسباتها .
 
والشكر لصاحب السمو الملكي الأميرِ خالدِ الفيصلِ ، أميرِ منطقة مكة المكرمة ، على جهوده، ودعمه للرابطة وأعمالها ، وتفضلِه بافتتاح هذا المؤتمر نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين.
 
ولسماحة الشيخ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الله آلِ الشيخ المفتي العام للمملكة ، ورئيسِ المجلس الأعلى للرابطة الشكرُ الجزيلُ على جهوده وحرصِه على الرابطة وبرامجها .
 
وللإخوة المشاركين في هذا المؤتمر والمنظمين له ، ورجالِ الإعلام الشكرُ والتقدير على التعاون .
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

المشاركة مع الآخرين شارك و انشر